jump to navigation

المسرح الإفريقي دراسة للكاتبة / منال فاروق سبتمبر 20, 2010

Posted by salahlinux in مقالات.
trackback

المسرح الإفريقي

دراسة للكاتبة / منال  فاروق

وما الدنيا إلا مسرح كبير..

يوسف بك وهبي

عندما يسدل الستار لا يبقى انت ولا أنا

حافظ الشيرازي

هذا هو المسرح عالم من البشر يحيا وفق طقس ما.. معبرين عن ما يدور، وما يريدون، بوسائل مختلفة.. ومع إسدال الستار، وارتفاع كلمة النهاية.. لا يبقى إلا الأزل.

فما هو هذا الفن، والذي هو عبارة عن مجموعة عناصر، تتضافر وتترابط، مكونة هذا العالم السحري العجيب الذي يجذب الإنسان له، بكل مراحله العمرية، ومع اختلاف مشاربهم، وأهوائهم.

المسرح .. شكل من أشكال الفنون يؤدى أمام المشاهدين، يشمل كل أنواع التسلية من السيرك إلى المسرحيات.. ويعرف بأنه شكل من أشكال الفن، يترجم فيه الممثلون نصاّ مكتوباّ إلى عرض تمثيلي على خشبة المسرح.. كما يقوم الممثلون عادة بمساعدة المخرج على ترجمة مواقف النص وشخصياته التى ابتدعها المؤلف إلى تشخيص وحركات، ومواقف حياتية تشبه ما تكون عليه فى الواقع.

بدايات المسرح

لم تختلف بدايات المسرح فى العالم عن بعضها البعض.. وإن تطورت هذه البدايات من مجتمع إلى آخر وفق احتياجات هذه المجتمع.. وما تتطلبه هذه المجتمعات وتفرضه وفق منظومة قيم أخلاقية وعرفية خاصة بها وبعاداتها، وتقاليدها..

من هنا  بدأ المسرح كفعل طقسي.. مع مواسم الحصاد والاحتفالات الخاصة بدنيزيوس رب الخمر عند الإغريق.. ليتم تسجيل أول عمل مسرحي مُثَل على خشبة مسرح بعام 490 ق. م بمسرحيات الضارعات لسخيليوس.

كما عرفت الحضارات الكبرى المسرح، فعرف فى اليايان ومن أشهر مسارحها، مسرح الكبوكي. وعرف المصريون القدماء الأداء المسرحي.. على المستوى الشعبي المحلي، والمستوى الرسمي في المعابد وبعد ذلك الأديرة.. ثم بأشكاله الشعبية بعد ذلك من أراجوز وخيال الظل والسامر.. إلخ، كما أن أفريقيا جنوب الصحراء عرفت المسرح ولكن بما يتماس مع طريقة أداء هذه المجتمعات.. ولم تعرف هذه المجتمعات مسرح العلبة أو المسرح الأرسطي، المعتمد على وحدة المكان والزمان والحدث إلا مع الاستعمار الذي حاول قطع جذور الثقافة الأفريقية وربطها بجذور مختلفة عنها ولا تمت لها بصلة، وهذا حال أغلب دول الجنوب..

إن كل حضارة تفرز فنها، والذي ينبع منها بتلقائية حيث يكون وليد متطلبات واحتياجات هذا المجتمع… من هنا بدأ المسرح الأفريقي من خلال الوسط العائلي، مما جعله ينتشر فى ربوع القارة بأسرها، وينتقل من جيل إلى جيل. شارك في هذا الإنجاز الرجال والنساء والأطفال، حيث أبدعوا فيه إبداعاّ بالغاّ أثناء الاجتماعات العائلية والأعياد والطقوس الدينية المتنوعة.

لم تعرف أفريقيا الكتابة إلا من وقت متأخر… -مع اعتراضي على هذه المقولة-إلا في دول شمال الصحراء، فرض هذا كما يقول الباحثون أن يظل المسرح الأفريقي شفوياّ ومرتجلاّ شأنه شأن الأدب الشعبي.. والذي تطور مع تطور المجتمعات بعد الاستعمار وانتشار حركات التحرر.

والسؤال هنا فى ظل هذا التقدم الكبير فى التقنيات الفنية عند الأفريقي.. كيف لم يعرف الكتابة.. أم هو استعاض عن الكتابة بالرمز.. وبلغة الجسد ليصل بها إلى مستويات عالية جداّ.. ملخصاّ كل ما يقوله فى إشارات جسدية، وصوتية فرضتها طبيعة المنطقة الجغرافية.

مرّ المسرح في أفريقيا السمراء بتطورات كثيرة، وكان له وظائف مهمة على المستوى الاجتماعي لهذه الشعوب وما زال.. إن المسرح الزنجي التقليدي ذو أصول اجتماعية وإنه انعكاس لاحتياجات اجتماعية فقد كان مسرحاّ واقعياّ، في معظمه كوميدي النزعة يخدم قضايا اجتماعية.

من هنا كان لابد من توضيح سمات وخصائص هذا المسرح ثم العروج على نماذج من المسرح الأفريقي والتي وردت فى كتاب د. على شلش.. الأدب الأفريقي..

خصائص المسرح الأفريقي

من الصعب حصر خصائص المسرح الإفريقي.. فى ظل التطور الذى حدث.. للدول الأفريقية، وخاصة بعد حركات التحرر.. وما قام به الاستعمار من محاولة لطمس هوية هذه الشعوب وقتلها.. عن طريق محاربة ما كان يقوم به سكان البلد من أشكال تعبيرية في المناسبات المختلفة.. على رغم أن الإسلام لم يحرمها أو يحاربها كما أشار إلى هذا الدكتور شلش فى كتابه.. وأيضا فى ظل كوننا لم نتابع تطور المسرح فى القارة جنوب الصحراء، نتيجة للبعد الجغرافي، ولأسباب أخرى يصعب حصرها، وليس لها مكان هنا.

والسؤال ماذا كان يحارب المستعمر فى ما كان يقوم به الأفريقي من عروض.. ولنبدأ من البداية..

أولا: موضوعات الدراما الأفريقية:

تنوعت مواضيع  الدراما الأفريقية بشكل كبير.. وكانت هذه الدراما وما زالت ثرية وخصبة حيث تستمد قوتها من طبيعة القارة الثقافية.. والتي امتزج فيها السحر بالأسطورة بعبادة الأسلاف وتقديرهم.. الخ.

احتوت مواضيع الدراما على  موضوعات مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر:

1-مواضيع تتعلق بالأساطير الأفريقية والتي هي من التنوع بمكان.

2-الحكايات الشعبية.. هى فى مجملها لم تدون وما زالت شفهية.

3-الخرافات.

4-مواضيع تتعلق بالعادات والتقاليد الأفريقية.

5-تمجيد الأسلاف.. وإتصالهم بمجتمعهم ومساعدتهم .

6-مواضيع خاصة بالأخلاق والقيم الأفريقية والسلوك القويم للأفريقي.

ثانيا: مناسبات التى يقدم فيها المسرح وطبيعته:

إن طبيعة الدراما والمسرح الأفريقي، طبيعة ذات وظائف اجتماعية، فهي انعكاس لحال المجتمع وتجسيد لما يطلبه المجتمع وما يفرضه من قيم وعادات وتقاليد.. وهو مسرح قائم على مزج النزعة الكوميدية، بالاتجاه الواقعي.. خادماّ قضايا هذه المجتمعات، ومغلّفاّ هذه الخدمة بطابع تعليمي لا ينكر المتعة والتسلية.. متحرراً في ما يتناول من النموذج الأرسطي الغربي.

والذي اعتمد على اللغة وعلى مجموعة من القيم والمعايير التى لا تتناسب مع احتياجات الأفريقي.

كان هذا نتيجة  للمناسبات التى يقدم فيها هذا المسرح، حيث يقدم في المناسبات الاجتماعية المختلفة، من ختان وحفلات البلوغ والزواج وحفلات الحصاد، وفى حال إعلان الحرب، وفى كل مناسبة يجتمع فيها أهل القرية أو القبيلة.

إن المسرح فى أفريقيا نشاط شفهي، قائم على الأغراض الدينية، والطقوس الشعائرية والأغراض الاجتماعية، من هنا كان هذا المسرح بسيط فى تناوله للموضوعات.. ليست البساطة السذاجة، بقدر ما حمل هذا المسرح من العمق ببساطة ويسر، ذلك لأنه مسرح قائم على تفاعل الجمهور مع المودين، أثناء العرض، حيث يُؤدّى في الهواء الطلق.

ومع تطور المجتمعات، حدث تطور كبير فى أغراض المسرح الأفريقي، وأصبح يتناول كل ما يهم هذه المجتمعات من قضايا سياسية، وأحداث الساعة مجسداّ هذا في صراع بين قيم الشر والخير، بين المتاح والواجب، بين ما هو واقعي، وما هو مثالي. مخالفاّ بهذا قيم المسرح الأوربي، والتي  تناولت فى موضوعاتها الصراع بين الآلهة والبشر، ثم الصراع بين العاطفة والواجب..

إن شخوص المسرح الأفريقي شخوص طبيعية، وإنسانية تساعدها القوى العلَّية، ويمكن لهذه الشخوص أن تعدَّل قدرها، في حال كان التوجه إلى الخير.. لأن قدر الإنسان عند الأفريقي هو وليد تناغم بين أجزاء الطبيعة، وما يقدره الله سبحانه وتعالى..

ثالثا: السمات الجوهرية للمسرح الأفريقي:

حمل المسرح الأفريقي سمات ميزته عن المسرح فى الدول التى استعمرت القارة، هذه السمات هى لبّ وجوهر حياة الإنسان الأفريقي، وهى سمات أساسية في ثقافته، هذه السمات هي:

1-الفعل.

2-الإيقاع.

3-المشاعر.

4-الإيماء.

5-المحاكاة.

6-الرغبة.

هذه السمات قائمة على  أن الحوار ليس هو الأساس فى المسرح، بل إن لغة المسرح أكبر من المكونات الكلامية، وهذا ما طرحه المسرح التجريبي، وهو مسرح قائم على عناصر مختلفة قد تستبعد اللغة (الحوار) من العمل المسرحي، وتتعامل مع الجسد والعناصر المختلفة للعمل المسرحي (إضاءة، ديكور، موسيقى، حركة بكل أنواع الحركة.. الخ)، من هنا طرح هربرت دلومو، فى مقال له عن الخصوصية فى المسرح الأفريقي  فكرة الإيقاع حيث يقول:

“الإيقاع هو في الأساس أفريقي، لقد كان الأفريقي القبلي تحت سيطرة قوية للأسلوب، هناك أسلوب محتذى فى السلوك، أسلوب محتذى فى العمارة، أو الزراعة، لقد كان للخضوع للأسلوب المحتذى سلبيات بالتأكيد، لكنه أدى إلى ولادة حس بالإيقاع وجب له عند الأفريقي، هذا الإحساس بالإيقاع نجده حتى فى حركات الناس القبليين، وبنفس القوة نجد الإيقاع فى الموسيقى الأفريقية، وفنون الرقص القبلي، ويمكن القول فى الحقيقة، إن أعظم إنجاز فني لأفريقيا هو الإيقاع”.

هذا الإيقاع هو أحد أهم السمات الخاصة بالمجتمعات الأفريقية، فهو -الإيقاع-وليد طبيعة هذه المجتمعات وإفراز طبيعي لطقوسها الدينية والتي هى عبارة عن:

“مجموعة من الاحتفالات الدينية فى المجتمع، هذه الاحتفالات منظمة، بمعنى أن الحركات والكلمات لها خاصية مقدسة ورمزية تخضع لمتطلبات يحددها القائمون على هذا الطقس”.

هذا الطقس يتحول مع الدراما إلى لعبة استعراضية، ذات فضاء أسطوري، يلتقي فيها الإنسان العادي، بحضوره إلى دائرة الفعل فى العمل المسرحي، مع الآلهة، حيث يتشارك من يحضرون مع من يؤدي، في إيقاع يتسم بالتناغم بين كافة أشكال التعبير البسيطة والمتاحة بلا تعقيد. يحركهم إيقاع متناغم تنتفي فيه فكرة المؤدي، حيث يتماهى الجمهور مع أبطال العمل، فكما سبق وأشرت، إن الأداء يكون فى الهواء الطلق، فهو مسرح مجاني، قائم على الديكور الطبيعي للمكان، مما يوحي بالثقة والبساطة، تُلقي فيه حكمة الشيوخ، عظات على الشباب، بلا افتعال أو تلقين، معتمداّ على استحضار روح الأسلاف، وربطها بالحالة الطقسية لفعل المسرح من خلال الأزياء البسيطة المعبرة، والبناء البسيط للحدث الدرامي.

لقد حارب الاستعمار، والذي استمر من نهايات القرن التاسع عشر، إلى ستينات القرن العشرين، هذا المسرح، وقام بمسخه، بل ومسخ الإنسان الأفريقي, بغية اقتلاع الجذور النفسية والاجتماعية، ليبث محلها ثقافات وعادات أوربية، ليتقبل هذا المستعمر.

يوضح الدكتور كمال الدين عيد، فى مقاله، المسرح الأفريقي فى مجموعة من النقاط  خطورة ما قام به المستعمر حيث يؤكد على:

1-إن الذين قادوا الثقافة الأوربية فى بلاد أفريقية كانوا من المبشرين المسيحيين ومن إرساليات تنتهج نشاطا تبشيريا منظما ومخططا.

2-كان من نتيجة سيطرتهم على الشؤون الثقافية أن اضطهدوا مظاهر الرقص الأفريقي، حتى استطاعوا وقفه وإلغاءه، من الظهور على المسرح، تماماّ كما منعوا ما يشير إلى الاحتفالات الدينية وعبادات الله سبحانه وتعالى.

3-أدى هذا التغير فى شكل المسرح الأفريقي إلى إهمال الأفارقة للعروض الأوروبية ذات الحوار الكثير، والطويل، الذى لم يتعودوا عليه، وبقى العرض الجديد غريبا لا يشبه تقاليدهم ولا يمت إلى مجتمعاتهم أو عالمهم.

4-انتهت التلقائية من العروض الأفريقية وتحدد الدور المسرحي (فهماّ وحفظاّ على غرار المسرح المعاصر) – مسرح العلبة الإيطالي، وفق المنظور الأرسطي-كما ضعف دور الموسيقى واختفت مواقف الرقص، الديني رغم محاولة المبشرين التقديم  بمسرحيات دينية (خداعاّ) في بداية خططهم الخبيثة.

5-انتشار الموجات المسرحية القادمة من أوربا بفعل الشباب الأفريقي الذين نهلوا من علوم المسرح وفنونه فى أوروبا، الأمر الذي أدخل كثيراّ من الأشكال الأوروبية على أصل المحتوى الأفريقي وهو ما قدم لنا في نهاية الأمر شكلاّ ممسوخاّ يطغى فيه الشكل على الأصل فيترك المتفرج الأفريقي بلا دليل أمين.

لقد تجاوز الأفريقي فى تصوره للحياة اللغة المكتوبة، واستعاض عنها بلغة أهم، انتبه لها العالم المتقدم متأخراّ، وأقام لها المهرجانات، والنظريات النقدية، ألا وهى لغة الجسد، فى تناغمه مع إيقاعات الطبيعة، والتي عبر عنها بطبوله، مترجماّ كل ما يريد توصيله إلى إشارات صوتية، وجسدية، توصل ما يريد، تبليغه، إلى الأجيال الجديدة عبر إشارات طقسية منظمة،مستخدماّ في ذلك كل الوسائل المتاحة،من أشكال تعبيرية متمثلة في الأقنعة والتي حملت من الرمز الكثير، ربط هذه الأقنعة عبر التعبير الجسدي، بالحكاية الشعبية، المحملة هى أيضاً برمز على ألسنة محاولة في الطبيعة من حيوانات وأشجار، وغيرها من رموز الطبيعة المختلفة.

من هنا أوضح دلومو فى مقاله والذي سبق ذكره العناصر الدلالية والجمالية فى المسرح الأفريقي التقليدي في مجموعة من النقاط هى:

1-أشكال العرض والفرجة فى الثقافة الأفريقية لها وظيفة سحرية – دينية، وهى جزء عضوي من حياة الناس.

2-الدراما القبلية هي دائماّ قومية، بمعنى أنها تعبر عن الجماعة بكل تنوع طبقاتها، لذا فهي توفر الفرصة لتشجيع وإيقاظ المواهب الفنية في كل مجالات الفنون.

3-العروض الأفريقية تُنمي –خصوصاّ- فن التمثيل، حيث يستخدم الناس طاقاتهم فى المحاكاة، للمشاعر والأحاسيس، والإيماء، والتقليد. كما تستخدم هذه العروض الجسد والوجه كمقابل للماكياج والأزياء فى المسرح الغربي، حيث تُطلى الوجوه بالألوان، وتكون الأزياء من جلد الحيوانات، والإكسسوار من الحلقات والعقود والأحزمة كلها توظف فى العرض.

4-الجمهور في المسرح الأفريقي يتمتع بصفة المشاركة فى العرض، على العكس من المسرح الغربي.

5-يستخدم المسرح الأفريقي، ويوظف المحيط الطبيعي كخلفية أو ديكور، كما قد تستخدم عوامل الطقس بشكل مقصود فى العرض، وحتى أحاسيس الممثل تلقى عناية خاصة من خلال استخدام أعشاب أو مستحضرات طبيعية تثير رائحتها انفعالاتٍ ما عند الممثل.

6-على  المستوى الوجودي يحتل الإيمان بالتبعية للطوطم أو الزعيم مكاناّ خاصاّ في المسرح الأفريقي التقليدي.

مع منتصف القرن العشرين، ظهرت حركات تنادي بعودة المسرح الأفريقي إلى جذوره، وتصحيح الوضع داخل المسرح عن طريق:

    • عودة الغناء والموسيقى بالطابع الأفريقي الأصل إلى العروض المسرحية.
    • إعادة دور الأوركسترا  الموسيقى في الدراما المسرحية، إلى سابق عهده متلازماّ ومتلاحماّ مع الفنون الدرامية.

مع حركات التحرر التى عمت أفريقيا فى النصف الثاني من القرن العشرين، ومع استكمال هذه الحركات استرداد أرضها.. بدء الأفارقة بالعودة إلى جذورهم المسرحية والمتمثلة فى  مجموعه من العناصر هى:

أولا: المسرح التقليدي:

إن القيم والعادات فى المجتمع الأفريقي لها سلطه غير عادية، لدرجة قد تصل إلى حد تقييد الفرد بشكل ما.. من هنا كان قيام المسرح التقليدي بمحاولات التنفيس عن الفرد.. عن طريق مسرح السلوك الاجتماعي والذي يقوم فيه الفرد بالانطلاق من هذه القيود وفق طقوس جمعية معترف بها داخل المجتمع.  من أمثلة ذلك “مسرح كوتيبا فى مالي” و هو مسرح قائم على نقد الشباب لكبار السن، ونقد المجتمع دون التعرض لنقد من أحد. وفى بوركينا فاسو، تقوم مجتمعات “موسى” بعمل سوق ليلي مرة في السنة يخرج فيه كل من يريد مع الآخر.. بلا قيد أو شرط.. ليعود كل شيء فى الصباح إلى طبيعته…

من هنا كان المسرح كفعل فى المجتمعات الأفريقية، عاملاً من عوامل ضبط المجتمعات، وعمل حالة من التنفيس، من القيود التى يضعها المجتمع، كما وإنه حالة يتم فيها تبادل النقد بين الصغار والكبار، مع مراعاة احترام كبار السن، وقوانين القبيلة، التى لا بد أن لا يتم الخروج عليها.

ثانيا: الطقوس الدينية:

إن الطقس لدى الأفريقي، والتي سبق وأشرت إلى  تعريفه، أهمية خاصة جدا لأنه جزء من منظومة مجتمعية، من هنا كان المسرح غير قادر على تجاهل الطقس سواء كان هذا الطقس إسلامي، مسيحي، وثني، حيث أن الطقس جزء من حياة الأفريقي، ولهذا ظهر ما يعرف بالمسرح الشعائري عام 1985م، وأصبح وجود الشعيرة (الطقس)، في المسرح مألوفاّ.

ثالثا: الفنون التقليدية:

إن أهم ما يقدمه المسرح الأفريقي هو فنونه التقليدية، من أقنعة، وحكى شعبي. حيث أصبحت الفنون التقليدية، مورداّ ثرياّ يستمد منه معظم كتاب المسرح إلهامهم. فهو المعين الذى لا ينضب للأفريقي.

يقودنا هذا إلى تقسيم تاريخ المسرح الأفريقي إلى مرحلتين، الأولى هى ما قبل الاستعمار، والثانية هى ما بعده، والتي واكبت حركات التحرر فى القارة، وهذه المرحلة-ما بعد الاستعمار- من الممكن تقسيمها إلى فترات لها خصائصها، من حيث قرب أو بعد التأثير الغربي على  المسرح فى القارة، وخاصة مع رجوع المبتعثين الأفارقة من الخارج متأثرين بما درسوه فى المدارس التبشيرية، ثم فى الجامعات، وخير ما يمثل هذه المرحلة ولي سونيكا، وليبود سنغور،..وغيرهم.

لقد انتبه المبتعثون العائدون من الغرب إلى الفجوة بين ما يقدمون على خشبة المسرح، وبين ثقافة وطبيعة شعوبهم، من هنا ظهرت المطالبة بالعودة إلى جذور المسرح، والتعبير عن آمال القارة السمراء، عبر فنونها، ليظهر مسرح السلوك الاجتماعي.

المسرح الاجتماعي:

هو مسرح يعرض بلهجة محلية على الجمهور، فى القرى، والأرياف وعلى طبقة العمال فى المدن. ويستهدف مسرح السلوك الاجتماعي أن يغير الاتجاهات فى مسائل نوعية مثل القيم السلبية، والاعتقادات البالية، والصحة العامة، والقضايا ذات الصلة بالعلاقات الاجتماعية، مثل الملكية الجماعية.

يقابل هذا المسرح فى القارة بترحاب وتسهيلات مختلفة له، في وسائل الإنتاج، وفى توفير الإمكانات لإنتاج مسرح مناسب.

المشكلات التي تواجه المسرح داخل القارة:

مع تحرر القارة وبدء استرجاع عافيتها ..بدأت الحركة الفنية باسترجاع واستلهام التراث، ولكن واجهتهم مجموعة من المشاكل المختلفة والتي حاول المثقفون الأفارقة التغلب عليها كان أهما هو ما قامت به هذه الثقافة (المستعمرة) باستهداف الثقافات الأفريقية بغية اقتلاع الجذور النفسية والاجتماعية ونزعها لتحل محلها ثقافة وعادات أوربية منقولة من خارج القارة.

كما واجه المسرح في القارة مجموعة من الصعوبات وفى مقدمتها إيجاد المتفرج، وحرية التعبير، ووسيلة الإيصال، والتمويل، وإيجاد المرافق العصرية للعرض، والتجهيز بالتكنولوجيا العصرية للعرض، وإشكالية اللغة حيث يكتب المسرح حاليا بالإنجليزية أو الفرنسية، وهى لغات لا يعرفها أهل البلاد، كما أن اللغات المستخدمة فى قلب القارة هى لغات شديدة المحلية،وهى فى معظمها لا يوجد لها أبجدية.

كما يواجه المسرح الأفريقي أيضا مشكلة مهمة، ألا وهى الواقع السياسي للقارة و الذي شغل الكتاب، حيث يميل الكتاب إلى مناقشة الوضع السياسي عبر أعمالهم المسرحية، مضافاً إلى هذا أن المسرح في أفريقيا قام على مساعدة ومنح من هيئات أوربية، مما يُحجَّم الكاتب في تناوله.

إن مشكلة المسرح (العملية الإبداعية)، في القارة تتمثل فى الهوة الشاسعة بين المتلقي والكاتب، نتيجة للفجوة المعرفية بين الكاتب، والمتلقي، مما نتج عنه صعوبة، وهذا ما طرحه المسرحيون الأفارقة في المؤتمر الذي عقد في الجزائر حول أزمة المسرح في أفريقيا وقد طرح المتحاورون مجموعة من الحلول منها:

1-   الاعتماد على الحكاية الشعبية، والرجوع إلى التراث  الأفريقي لتحديد معالمه وطبيعة جغرافيته الدرامية، فهو من أساسيات التراث الثقافي، وهى (الحكاية) لها دور مهم فى المسرح.

2-    العودة إلى إستخدام القناع، حيث أن القناع في القارة يلعب دوراً مهماً، فهو يعكس ثراءاً لونيا في أزياء سكان القارة، كما ان للقناع دور مهم في الحكايات الشعبية، التى يحكيها الراوي.

3-   العودة للطقوس الأفريقية واستلهامها، حيث تلعب هذه الطقوس دوراّ مهما في الكثير من الوظائف الاجتماعية بالنسبة للفرد على العديد من المستويات الجسدية والنفسية.

4-     العودة إلى التراث الأفريقي الاستعراضي، واستلهام كل مفرداته الحية في المسرح.

5-     العودة إلى الكتابة باللغة الأم، حتى يكتبوا بلغاتهم ولهجاتهم المختلفة.

على الرغم  من كل هذه التوصيات إلا أنها تواجه بمشكله مهمة، وهى تطور المجتمعات، ونضوجها، فما كان يستجيب له الإنسان قديماّ قد يرفضه. إن الأشكال المسرحية كما تجلت فى حالاتها التقليدية لم تستجب لرغبات الإنسان الحديث لذلك يجب أن نطورها ونقدمها فى  عروض فنية حديثة على خشبة المسرح، في قوالب حديثة وتقنيات حديثة حتى تصل إلى الجمهور.

إن وجود أشكال من التراث الأفريقي ترتبط بالسحر والديانات البدائية، يطرح سؤالاً عن كيفية تقديم هذه الأشكال أو إمكان استبعادها، في ظل التقدم والتطور الذي يشهده العالم وكذلك القارة السمراء.

المسرح في أوغندا:

في الأوراق السابقة تحدثت عن طبيعة المسرح فى القارة، والمشاكل التى تواجهه، وما قام به المستعمر من محاربة هذا المسرح، ومحاولته طمس خلفيات الشعوب الأفريقية وهويتها ..وهنا سأتحدث عن دولة أوغندا كنموذج  مستعينة فى هذه النقطة بكتاب د .على شلش “الأدب الأفريقي” وهو الكتاب الصادر عن سلسلة عالم المعرفة (الكويت, عدد رقم 171، 1993م). أعلم أن هذا تقصير، ولكن أتمنى أن أكمل معلوماتي قريبا.

“أما في أوغندا وكينيا وتنزانيا، فحال المسرح مختلف. وإذا كان جمهور المستفرقين والجغرافيين يجمعون هذه الأقطار الثلاثة تحت عنوان عام هو شرق أفريقيا، فلا شك أنها أنشط أقطار الشرق مسرحيا. ومع أن الإنجليزية هناك ليست وحدها أداة التعبير المسرحي، فما زال لها الأولوية. ومع أنها -أيضاّ-كانت لغة العروض المسرحية  الحديثة منذ العشرينات فقد نافستها – فى عهد الاستقلال -اللغة الأتشولية Acholi، في أوغندا، واللغة السواحيلية Swahiki فى تنزانيا. وكان من أهم عوامل نشاط التأليف فى هذه الأقطار – بعد استقلالها- اهتمام الجماعات الناشئة فيها بالدراما، كما حدث في جامعة مكاريري بأوغندا  التى أنشأت قسماّ للمسرح المتجول، وجامعة نيروبي في  كينيا التي ضمت دراسة المسرح إلى مناهج كلية الآداب، وجامعة دار السلام فى تنزانيا، التى أنشأت قسما للفنون المسرحية …، من أبرز هؤلاء فى أوغندا اليوم موكاتاني روجي وندو،  الذى يسعى فى مسرحياته إلى تأصيل الشمل المسرحي وبنائه على الموروث الشعبي. وقد سبقه إلى هذا الاتجاه كاتبان آخران من أبناء بلده، هما روبرت سيروماجا(1939-1980م)، وجون روجاندا، اللذان شُغلا بالتحولات الاجتماعية، ولاسيما نزوح أهل الريف إلى المدن حيث تضيع إنسانيتهم وتنحطّ أخلاقهم. ولكن روجيوندو يتميز بالوعي الشديد بالجمهور والطبيعة الشعبية للمسرح، ويرى أن الدراما التقليدية فى بلاده شعبية بالطبيعة نظرا لوظيفتها الاجتماعية، في حين أن الدراما الحديثة فى البلدان المتقدمة غير شعبية لبعدها عن هذه الوظيفة.  “ص130-131″.

يعرض د. شلش نصاً مسرحياَ لنص مسرحي للكاتب روجاندا “السلك الشائك” ويقوم بتحليليه، موضحاّ كيف استخدم المؤلف الرمز ..

نعم.. لقد لعب المسرح فى القارة دوراّ مهماّ في القارة السمراء، عبر طقوسه البسيطة، واستخدامه للغة الجسد.. وقد قام المستعمر بطمس كل هذه المعالم ليعيد تركيب ذهنية هذه الشعوب بما يوافق تطلعاته، والتي تساعده على نهب ثروات القارة، وافتعال أزمات  داخل القارة وحروب بين دول القارة وأبنائها، ليضمن فى النهاية المواد الخام بأسعار لا يمكنه أن يجدها في حال توحد القارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الممكن الرجوع إلى:

1-     ا.د. كمال الدين عيد، المسرح الأفريقي: http://www.suhuf.net.

2-   على محمد سليمان،الخصوصية الثقافية فى المسرح الأفريقي، هربرت دلومو مثقف وكاتب مسرحي، جريدة الثورة:http://thawrw.alwehda.gov.sy.

3-     نقاد ومسرحيون ينقبون فى التراث الإفريقي/ بحثا عن شكل مسرحي إفريقي، الخبر:httP://elkhabar-hebdo.com.

4-     بشير خلف، المسرح الأفريقي بين الأصالة والمعاصرة، ديوان العرب: http://www.diwanalarab.com

About these ads

تعليقات»

1. غير معروف - سبتمبر 25, 2010

مجهود مشكور


أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذه المدونة وتلقي الإخطارات عن المواضيع الجديدة لهذه المدونة عن طريق البريد الإلكتروني.

    Join 6 other followers

  • تابع

    Get every new post delivered to your Inbox.

    %d bloggers like this: